جلال الدين الرومي
25
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
وحتى في هذه الحالة ، تظل العظمة الإلهية منوطة بكون الإنسان مختارا ليس مجبرا هذا كما تقاس العظمة الحقيقية لأي حاكم بأنه يحكم شعبا من الأحرار لا شعبا من العبيد ، فأية مزية حقيقية للحكم والسلطة على مخلوقات كقطع الشطرنج . وهذا أمر شديد الوضوح ، . والاختيار على مراحل ، وهو ظاهرة ليس لها وجود عيني كالأجسام في الخارج ، ظاهرة - والرأي لمحمد تقي جعفري صاحب التفسير الكبير لمثنوي جلال الدين - « 1 » ذات حالتين : الحالة الأولى وهي القوة الموجودة قبل اختيار العمل والقيام به ، وفي هذه الحالة لا يتنافى الاختيار ولا يصطدم بأي اختيار آخر ، ما دام لم يدخل في حيز العمل بعد ، وهناك تتنافس مئات الأنواع من الاختيارات ما دامت كلها لم تنتقل إلى حيز العمل أو تنتقل من القوة إلى الفعل أو من الفكرة إلى التنفيذ هذه الحالة تشغل حيزا من الوجود لا يمكن لفكرة أخرى أن تشغله ، ومن البديهي أن النقيضين لا يجتمعان ، ومن ثم فإن كون الله سبحانه وتعالى مختارا مطلقا فوق اختيارات الإنسان ، لا يتنافى مع اختيار الإنسان ، لأن الاختيار الإلهى ليس حقيقة عينية تتصادم مع حقائق عينية أخرى ، وهذا يشبه تماما قولنا أن وجود الله وإحاطته بكل الوجود لا يتنافى مع كون الإنسان موجودا ، بل إن اختيار الله سبحانه وتعالى يستلزم وجود اختيار آخر لكي يجرى مشيئته عليه ، وهو ما عبر عنه مولانا بأن قدرة الإنسان على الجماد لا تنفي جمادية الجماد « 2 » وهو ما سبق أن ذكرناه ، ليس هذا
--> ( 1 ) محمد تقي جعفري : تفسير ونقد وتحليل مثنوى جلال الدين محمد مولوى - ج 12 - ص 407 - 409 - تهران - اسلامي - 1363 ه . ش . ( 2 ) المصدر السابق : ص 408